الشيخ محمد هادي معرفة
204
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
وربما خفي وجه مناسبة وصف نبيّهم بالحلم والرشد - وهي الكياسة ووفور العقل - مع استنكارهم عليه : كيف تمنعهم صلاته ودعاؤه من اتّباع سيرة آبائهم ، وأن يتصرّفوا في أموالهم مايشاؤون ؟ ! فلا تتناسب - ظاهرا - هذه الخاتمة مع مقصودهم في ذلك المقال الاستنكاري ! لكن المشكلة تنحلّ إذا ماعرفنا أنّ مقالهم ذاك إنّما قالوه على وجه السخرية والهزء . قال الزمخشري : وأرادوا بقولهم : « إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ » نسبته إلى غاية السفه والعيّ فعكسوا ليتهكّموا به ، كما يتهكّم بالشحيح الذي لايبضّ حجره . « 1 » فيقال له : لو أبصرك حاتم لسجد لك ! وقيل : معناه إنّك للمتواصف في قومك بالحلم والرشد ، يعنون : أنّ ماتأمر به لا يطابق حالك وماشُهرت به . « 2 » الحلم : التُؤدة والأناة ، ضدّ الطيش . والرشد : البصيرة في تدبير المعاش والقدرة على التصرّف في الأموال وفق الأصول . فالمعنى : إن كنت ذا حلم فكيف تمنعنا عن السير على منهج الآباء ، وهو مقتضى العقل أن لا يعدل الإنسان عمّا جرّبته الأسلاف ؟ ! وإن كنت رشيدا في عقلك فكيف تمنعنا عن التصرّف في أموالنا حسب إرادتنا ، والناس مسلّطلون على أموالهم ، يتصرّفون فيها مايشاؤون ، وهي قاعدة عقلائية توافقت عليها العقلاء ؟ ! * وقوله تعالى : « هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ » . « 3 » وقوله : « قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » . « 4 » ففي بادئ النظر كان المتناسب ختم آية البقرة بالقدرة ، لأنّها حديثٌ عن الخلق ، وختم آية آل عمران بالعلم ، لأنّها حديث عن علمه بما في الصدور . لكن الحديث هناك كان عن الخلق والتدبير لأنّه تعالى قال : « خَلَقَ لَكُمْ » أي في
--> ( 1 ) - يقال في المثل : مايبضّ حجره أيماتندّى ، من بضّ الماء بضيضا : إذا سال . ( 2 ) - الكشاف ، ج 2 ، ص 420 . ( 3 ) - البقرة 29 : 2 . ( 4 ) - آل عمران 29 : 3 .